ابن عجيبة

11

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

نور الزوج غالبا - إذا كان ذا نور - فإن العرق نزّاع ، فيسرى ذلك في الفروع ، فلا تكاد تجد أولاد أهل الزنا إلا زناة ، ولا أولاد أهل العفة إلا أعفّاء ، وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً « 1 » . وفي الحديث : « إياكم وخضراء الدّمن ، قيل : وما خضراء الدمن يا رسول اللّه ؟ قال : المرأة الحسناء في المنبت السوء » « 2 » . قال ابن السكيت : شبهها بالبقلة الخضراء في دمنة أرض خبيثة ؛ لأن الأصل الخبيث يحن إلى أصله ، فتجىء أولادها لأصلها في الغالب . فيجب على اللبيب - إن ساعفته الأقدار - أن يختار لزراعته الأرض الطيبة ، وهي الأصل الطيب ، لتكون الفروع طيبة . وفي الحديث : « تخيّروا لنطفكم ولا تضعوها إلّا في الأكفاء » « 3 » ه وباللّه التوفيق . ثم ذكر حدّ القذف ، فقال : [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 4 إلى 5 ] وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 4 ) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 5 ) قلت : « ثمانين » : مفعول مطلق ، و « جلدة » : تمييز . « إلا الذين تابوا » : إما : استثناء من ضمير « لهم » ، فمحله : الجر ، أو : من قوله : « الفاسقون » ، فمحله : النصب ؛ لأنه بعد موجب تام . يقول الحق جل جلاله ، في بيان شأن العفائف ، بعد بيان شأن الزواني : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أي : يقذفون بالزنا الْمُحْصَناتِ ؛ الحرائر العفائف المسلمات المكلفات ، بأن يقول : يا زانية ، أو : يا محبة ، ولا فرق بين التصريح والتعريض ، ولا بين النساء والرجال ، قاذفا أو مقذوفا . والتعبير بالرمي ، المنبئ عن صلابة الآلة ، وإيلام المرمى ، وبعده عن الرامي ؛ إيذان بشدة تأثيره فيهن ، وكونه رجما بالغيب . والتعبير بالإحصان يدل على أن رميهن إنما كان بالزنا ، لا غير .

--> ( 1 ) من الآية 58 من سورة الأعراف . ( 2 ) أخرجه الشهاب القضاعي ، في مسنده ( 957 ) ، والديلمي ( الفردوس ح 1537 ) عن أبي سعيد الخدري . قال العجلوني ، في كشف الخفاء ( 1 / 272 ) : قال ابن عدي : تفرد به الواقدي ، وذكره أبو عبيد في الغريب . ورواه الدار قطني في الأفراد ، وقال : لا يصح من وجه . ( 3 ) أخرجه بلفظ : « تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء » : ابن ماجة في ( النكاح ، باب الأكفاء ، 1 / 633 ، ح 1968 ) ، والبيهقي في السنن ( 7 / 133 ) ، والدارقطني في السنن ( 2 / 298 ) ، من حديث السيدة عائشة رضى اللّه عنها . وأخرجه بلفظ المفسر : ابن عدي في الكامل ( 2 / 614 ) ، والبغدادي في تاريخ بغداد ( 1 / 264 ) ، وانظر كشف الخفا ( 1 / 302 ) .